شاكر باشراحيل.. حين يصبح الصوت والصورة ذاكرةً للأجيال

شاكر باشراحيل.. حين يصبح الصوت والصورة ذاكرةً للأجيال
منصة المكلا الإعلامية – عمر سامي
تحدثنا في المقال السابق عن صاحب اللمسة الفنية، الأستاذ علي عوض باشراحيل ، الذي ارتبط اسمه على مدى أكثر من نصف قرن بتوثيق أفراح ومناسبات أبناء مدينة الشحر ، واليوم نواصل الحديث عن شخصية أخرى كان لها حضورها ودورها في هذه المسيرة ، إنه الأستاذ شاكر عوض باشراحيل، شقيق الأستاذ علي ، الذي حمل معه شغف التوثيق، وواصل جهداً مهماً في حفظ أرشيف الأعراس والمناسبات وتوثيق تفاصيلها ، لتبقى حاضرة في ذاكرة أصحابها والأجيال من بعدهم.
ففي مدينة الشحر، حيث للأعراس طقوسها الخاصة ، وللفرح حكاياته التي تتناقلها الأجيال ، أصبح توثيق المناسبات جزءاً من ذاكرة المجتمع ، ليس باعتباره مجرد تصوير للحظات عابرة ، وإنما بوصفه حفظاً لتفاصيل أيام جميلة قد لا تتكرر ، ولوجوه وأشخاص وأماكن وذكريات يصعب على الزمن أن يعيدها.
ومن هنا يأتي دور الأستاذ شاكر عوض باشراحيل، الذي أسهم في توثيق عدد كبير من الأعراس والمناسبات، وحفظها ضمن أرشيف يوثق جانباً مهماً من الحياة الاجتماعية لأبناء الشحر وساحل حضرموت ، فكل مناسبة يتم توثيقها اليوم ، قد تصبح بعد سنوات وثيقة تعيد الإنسان إلى الماضي ؛ إلى يوم زفافه، إلى فرحة أسرته ، إلى وجوه أقاربه وأصدقائه، وإلى أشخاص ربما تغيرت بهم الحياة أو غابوا عن المشهد، لكنهم ظلوا حاضرين في صورة أو تسجيل محفوظ في أرشيف المناسبة.
وهنا تكمن قيمة التوثيق الحقيقي ؛ فالمصور لا يحفظ اللحظة لنفسه، وإنما يحفظها لأصحابها، لتظل متاحة لهم كلما أرادوا العودة إلى تفاصيل ذلك اليوم ، وقد ساهم الأستاذ شاكر في جعل هذا الأرشيف أكثر قرباً من الناس، من خلال نشر جانب من هذه المناسبات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لتتحول الذكريات من تسجيلات محفوظة إلى مشاهد تصل إلى جمهور واسع، ويستطيع من خلالها الأهل والأصدقاء والمتابعون مشاركة أصحاب المناسبة فرحتهم، حتى وإن حالت المسافات دون حضورهم.
فإن ما يقوم به الأستاذ شاكر لا يمكن اختزاله في مهمة التصوير أو النشر فقط، بل هو عمل يرتبط بحفظ الذاكرة الاجتماعية للمدينة، وتوثيق جانب من تفاصيل حياتها التي قد لا تلتفت إليها كتب التاريخ، لكنها تظل حاضرة في ذاكرة الناس ، إنه نوع مختلف من التوثيق؛ توثيق للفرح، للحياة، للعلاقات الاجتماعية، ولتفاصيل المجتمع في لحظاته الجميلة.
وما يميز الأستاذ شاكر عوض باشراحيل أيضاً، إلى جانب عمله في توثيق الأعراس والمناسبات، خبرته الكبيرة في مجال التسجيل والإنتاج الصوتي، إذ يُعد من الأسماء البارزة في هندسة الصوت ، وله تجربة رائدة في إدخال أساليب تسجيل متقدمة إلى حضرموت ، من بينها تسجيلات «التراك»، التي أسهم من خلالها في إنتاج وتوثيق أعمال عدد من الفنانين المعروفين، ومنهم الفنان بدوي زبير، والفنان كرامة مرسال، والفنان محفوظ بن بريك، وغيرهم من الأسماء الفنية.
كما تميز في إنتاج تسجيلات الكاسيت، في مرحلة كان فيها الشريط الصوتي وسيلة أساسية لحفظ الأعمال الفنية وتداولها بين الناس، وهو ما جعله صاحب تجربة مختلفة جمعت بين الخبرة التقنية والحس الفني، وأسهمت في حفظ جانب مهم من الموروث الموسيقي والفني الحضرمي.
ولم يتوقف اهتمام الأستاذ شاكر عند حدود التسجيل والإنتاج، بل واصل حضوره في مجال حفظ الموروث الفني من خلال قناته على منصة «يوتيوب» باسم «شاكر باشراحيل»، التي أصبحت نافذة يستعيد من خلالها أبناء حضرموت جانباً من ذاكرتهم الفنية والاجتماعية ، وينشر عبرها العديد من التسجيلات القديمة وحفلات الأعراس والمناسبات التي وثقها خلال سنوات طويلة، لتصل إلى الأجيال الجديدة، وتعرّفهم بجانب من حياة آبائهم وأجدادهم، وتعيد إلى الذاكرة تفاصيل الأفراح والعادات والفنون التي كانت حاضرة في المجتمع الحضرمي.
لقد أصبح هذا الأرشيف بمثابة صندوق ذاكرة مفتوح؛ كلما عاد إليه الإنسان وجد جزءاً من حياته، وربما وجد أشخاصاً وأياماً وأماكن لم يعد يراها إلا في الصور والتسجيلات ، فإن تجربة الأستاذ شاكر عوض باشراحيل تستحق الإشادة والتقدير، باعتباره واحداً ممن أسهموا في حفظ جانب مهم من ذاكرة أفراح الشحر، وجعلوا من توثيق الأعراس وسيلة لحفظ اللحظة، ومن نشرها عبر مواقع التواصل جسراً يصل الماضي بالحاضر.
فالأعراس تنتهي، والاحتفالات تنقضي، والسنوات تمضي، لكن الصورة تبقى، والتسجيل يبقى، والذكرى تبقى.
وفي النهاية، قد ينسى الإنسان تفاصيل كثيرة من حياته، لكنه حين يعود إلى أرشيف زفافه، ويشاهد وجوه من أحبهم، ويتذكر من كانوا حوله في ذلك اليوم، فإنه لا يشاهد مجرد تسجيل قديم، بل يفتح نافذة على زمن كامل.
وهنا تتجلى قيمة التوثيق؛ أن تمنح اللحظة فرصة لأن تعيش مرة أخرى، وأن تحفظ للناس أفراحهم، وللعائلات ذكرياتها، وللمدينة جزءاً من تاريخها الاجتماعي والإنساني ، فما يوثقه شاكر باشراحيل اليوم، قد يكون غداً ذاكرة يبحث عنها أصحابها، وما يُحفظ في أرشيف الأعراس، قد يصبح بعد سنوات وثيقة تحكي للأجيال كيف كانت أفراح الشحر، وكيف كان أهلها يجتمعون، وكيف عاشوا أجمل لحظات العمر.
وهكذا ، تتسع تجربة الأستاذ شاكر باشراحيل لتتجاوز مجرد توثيق مناسبة أو تسجيل صوتي، لتصبح تجربة متكاملة في حفظ الذاكرة؛ بالصورة والصوت، وبما تحمله التسجيلات القديمة من قيمة فنية واجتماعية وتاريخية، لتظل تلك المواد شاهدة على أجيال مضت، وعلى موروث فني واجتماعي يستحق أن يبقى حاضراً في ذاكرة الأجيال.




