عبير الذكرى

عبير الذكرى
منصة المكلا الإعلامية – شكري نصر مرسال
إلى والدي العزيز.. أكتب هذه الكلمات بعد عشر سنوات من الغياب محمّلة بعبق الذكريات ودفء الحنين ، منذ أن احتضنك الموت في ساعات الفجر الأولى من يوم الجمعة الموافق 21 أبريل 2017م، 24 رجب 1438هـ. لم يزل حضورك يرافقني. كلما مررت برياض المساجد أو بلغ إلى سمعي صوت من أحببت أو تأملت في مجالس الفضل التي كنت تتصدرها يتسلل إليّ شعور غامر يذكّرني بك وكأن ابتسامتك وكلماتك الطيبة ما زالت تضيء الأمكنة.
“ليس سرّا وإن بدا الأمر سرّا، إنه كان بالفضائل أثرى”
كنت إنساناً إذا تحدث جمعت بين الهيبة ورقة اللين كصلابة الجبال ووقار السيوف. مثلها حين آتيك زائراً وأربض حول قبرك في ذلك التوقيت الذي يأتي بين نقاب الغروب الذي يُلقى على وجه الشمس وبين طلوع القمر، أتلو عليك من أخبار الأحباب الأهل والجيران بما يسرك وأحدثك كثيراً عن حضرموت التي أحببتها ملء العين، والتي قدر لها أن تتكئ على المساند السوداء تلتحف الضيم كحال السجين المظلوم الذي لم يستطع هدم جدران سجنه..
“مات نصر وكان للعلم نصرا ، ولطلابه وأهليه ذخرا”
في تلك اللحظات وأنا زائر لك أشعر بنسمة باردة تطوقني بمزيد من الحنين هي ما تبقى من لغة الأرواح تؤنسني برهبة عميقة وتجعلني أستشعر حضورك القديم رغم مسافات البعد بين من يسكنون البرازخ والأرض التي نسكنها. إن ذكراك ليست مجرد ماضٍ بل نهر جارٍ لا يزال يروي قلبي ويوقظ بدواخلي الحنين ويعلّمني أن الأبوة مدرسة لا تنطفئ وأن الوفاء يظل برّا حيّا في وجدان الأبناء.
وهكذا حين أفتح وعاء محبرتي لأكتب بلسان حال المحاكاة التي تجري بين روحي وروحك ، يرتجف القلم بين أصابعي تعظيماً لقدرك وألحظ انفعالات الأحرف على لساني تسير مرتعشة لتشكل العبارات إلى معانٍ سامية لعلها تسري روحاً يجبر بخاطرك كما كنت في حياتك جابراً للخواطر.
“كان أحنى وإن تبدى مهابا ، وعطوفا ينساب لينا ويسرا”
يا سيدي ، كلما خطرت ببالي في يقظة أو زارني طيفك في المنام يغمرني الأنس وتفوح أنفاسي بحديث الحب والجمال كما يفوح ذلك البخور الذي تنثره أمي بكرم في أرجاء البيت فيملأ المكان عطراً وطمأنينة. فتأتيني سرائر الفرح وتصاحبني قشعريرة من الحنين والفخر كأنني أصافح حضورك وأستعيد معك فصول الذكريات. فتزهو نسائم الروح بداخلي وتتمايل تعظيما لهيبتك كما يتمايل العابدون حين تصيبهم نفحات في حضرة التجلي.
“مات من أيقظ العقول زمانا، وأضاءت يداه للناس فجرا”
وبذلك الحال ظلت ذكراك تسكنني وتتراءى أمامي مجالسك العامرة بالفضل والشموخ وإن كنتُ طفلاً صغيراً حين شهدت بعضها. أخصُ منها لقاءات الأعياد حين كان بيتُك يفيض بالضيوف (جيرانك ، زملاؤك من الرواد التربويين ، طلبتك وأحبابك الكثيرون) فيغدو المكان أشبه بمجالس العرس قبل وليمة العشاء. وما زلت أستحضر ذلك المشهد السنوي في صباح العيد حين يقف ذلك الرجل من أحبابك على عتبات منزلك العامر ويناديك بصوتٍ متهلل: “يا بو حمد” ويظل يكرر وكأنه يعانقك بنداءٍ يعلن الفرح والمسرة حيث يلتقيك الناس على بساط المحبة ويجدون فيك معنى الأبوة والوفاء وقلباً صافياً للود والكرم.
“رجل من مهابة وجلال، صيغ فازداد في الخلائق قدرا”
أبا أحمد، لست هنا لأستعيد تفاصيل اليتم الذي رافق طفولتك وأبكاني بملامحه ولا لأصف كيف كنت تكبر في صمت على ألم الفقد يتيماً لم يعرف أباه حتى غدوت عظيماً. لم يكن اليُتم عندك ضعفاً بل كان بداية قوة جعلتك تتجاوز المحن لتصبح إثر ذلك سنداً لغيرك. كعادة العظماء …. وها هي الأيام تروي أن وزير التعليم في الدولة القعيطية الشيخ الفاضل سعيد القذال قصد بيتكم المتواضع بالمكلا على عجل ليقنع والدتك – رحمها الله – بالسماح بسفرك إلى السودان لدراسة القضاء لكن قلبها أبى أن يتركك إذ أرادتك بقلب الأم أن تربي شقيقك اليتيم. ومع ذلك ظل الشيخ القذال يرى فيك القاضي المنتظر ورأى فيك ما لم يره غيره حتى ان تلك البدلات التي فصلت لك هدية من حر ماله بقيت في الأدراج شاهدة الى عهداً قريب على رحلة تعليمية لم يكتب لها الاكتمال. لقد حظيت منه بمودة خاصة وظللت قريباً من عينيه وقلبه الكبير. وكان ذلك الإرث بداية مسيرة طويلة . مسيرة رجل حمل في قلبه محبة الله ومحبة الناس حتى غدوت بين الناس رمزاً للوفاء والصدق وذكرى عطرة لا تنطفي
“زمن الناهضين نشـتاق وصلا ، يبعث الروح بعد أن مات هجرا”
أيها الجليل ، لم أتعمد الوقوف بين زحمة السطور لأكتب مقالةً عابرة أستعرض فيها جمال سيرتك التربوية والتعليمية التي عطّرت الآفاق شرفاً ورفعة ولا جلستُ بين حضرة الكلمات استجديها لأجمع سردية تروي للناس كيف كنت ورفقاؤك الأوائل من الرواد التربويين تسهمون بجدٍّ واجتهاد دون كلل. لتهتدوا الى رسم ملامح مخرجات الملحمة التربوية التي رسمتموها لحضرموت على درب ترسيخ جودة التعليم.
وهنا أستحضر يا شيخنا قيادتك لحقبة التعليم بالديس الشرقية تلك المنطقة التي أحبّك أهلها كثيراً وأحببتهم حتى صاروا ينادونك “العم نصر”، وكنت لهم الأب في غياب الأبوة إلى أن أرتقت مدرسة الديس الشرقية بحكمتك وإخلاصك من نفس العام لتتبوأ المركز الأول بين مدارس السلطنة القعيطية التي توليت إدارتها تقريبا من العام 56 الى مطلع الستينات . لتترك بذلك بصمة لا تُمحى في ذاكرة أبناؤها. ثم امتدت ريادتك إلى المدرسة الشرقية والغربية بالمكلا في منتصف الستينات وهي من ابرز الصروح التعليمية بحضرموت. فكنت رباناً أميناً بقيادة سفينة العلم وسط أمواج التحديات. ولم يقف عطاؤك عند ذلك بل واصلت المسيرة مشرفاً على التعليم بمدينة الشحر والمناطق التابعة لها من أواخر الستينات حتى مطلع السبعينيات. ضف الى ذلك أن عملت على افتتاح فصولا دراسية مصغرة منها في لِبنة بارشيد ومنطقة الحموم والريدة وقصيعر بمساعدة وجهاء هذه المناطق حتى غدت تلك الفصول منارات للتعلم والمعرفة.
“حمل الهم في الإدارة حتى ، صار في فنها إماما وحبرا”
ولن أنسى أيها الجليل مرحلة التعليم بمدرسة “الرباط”، التي وصفتها نخبة من أهلها يوماً بقولهم: “إن وصول الشيخ نصر مرسال إلى رباط باعشن كان بمثابة “ظهور الضوء في الليلة المظلمة.” فلا عجب إذن أن محبة الناس لك في تلك المناطق التي صُلت وجُلت بها مربياً ومعلماً ومرشدا بلغت عند بعضهم حدّ أن يؤجلوا مجالس مناسباتهم حتى تعود إليهم من إجازتك وكأنهم يقولون: لا تكتمل أفراحنا ومسراتنا إلا بوجودك يا أبا أحمد.
“شهد الناس أنه تربوي ، بأصول السلوك والحس أدرى”
لقد كانت حياتك مدرسةً قائمة بذاتها وسيرتك كتاباً مفتوحاً يقرأه كل من عرفك بمحبة وإجلال وكل ذلك إرث خالد في ذاكرة الناس يروونه لك بوفاء ويحتفظون به بمحبة واعتزاز. وكما قال الأديب الدكتور عبد العزيز الصيغ في مرثيته يوم وفاتك:
“مات بل ما يزال يحيا ويمضي ، بين أفيائها الجميلة نسرا”
فشكراً وتقديراً للبروفيسور عبدالعزيز سعيد الصيغ إذ جاءت أبياته المنثورة في هذه المقالة لتضيء الكلمات وتزيدها صدقاً وعمقاً.




