كيف تدعم العملة السورية الجديدة مسار التحول الرقمي في البلاد؟

دخلت الجمهورية العربية السورية، في الثالث من يناير/ كانون الثاني 2026، مرحلة مفصلية في تاريخها النقدي مع بدء التداول الفعلي لـ (الليرة السورية الجديدة)، إذ إن الحدث بحد ذاته لا يمكن اختزاله في استبدال أوراق نقدية بأخرى، ولا في حذف أصفار من العملة، بل يتجاوز ذلك ليطرح أسئلة أوسع تتعلق بالبنية الرقمية، والأنظمة البنكية، وجاهزية الاقتصاد السوري للانتقال التدريجي نحو أدوات مالية أكثر حداثة، وهو ما يضع هذا التحول في صلب اهتمام المتابعين لملف التكنولوجيا والتحول الرقمي.
ويحمل الإصدار الجديد اسم (الليرة السورية الجديدة)، ويجري الاستبدال وفق معيار يقضي بأن كل 100 ليرة سورية قديمة تعادل ليرة سورية جديدة واحدة، وتُعدّ كل من العملة القديمة والجديدة وسيلتي دفع قانونيتين وملزمتين خلال مدة الاستبدال، ولا يجوز رفض التعامل بأي منهما.
وخلال المدة الانتقالية وهي (90 يومًا قابلة للتمديد) تستمر العملتان القديمة والجديدة بالتداول معًا، ويمكن تقاضي الرواتب والمستحقات واستخدام أي منهما دون إلزام، مع بقاء القوة الشرائية دون تغيير، وقيام الجهات المعنية بفرض رقابة مشددة لمنع أي تلاعب بالأسعار، إذ تُعرض الأسعار بالعملتين معًا دون تغيير في القيمة.
مساع لانتقال سلس:
من الناحية التنفيذية، أعلن النائب الأول لحاكم مصرف سوريَة المركزي، الدكتور مخلص الناظر، انطلاق عملية الاستبدال بشكل فعلي صباح يوم 3 يناير الجاري، بعد أشهر من التحضير.
وأكد الناظر أن ممثلي البنوك الخاصة وشركات الصرافة توافدوا منذ الصباح إلى فروع المصرف المركزي في المحافظات لاستلام الليرة الجديدة، مشيرًا بوضوح إلى أن العملة الجديدة أصبحت في التداول وبأيدي المواطنين.
وهذه الخطوة التنظيمية تعكس محاولة لضبط الانتقال بسلاسة، وتفادي الارتباك الذي غالبًا ما يرافق تغييرات نقدية واسعة النطاق.
برنامج وطني شامل:

ربط مصرف سوريَة المركزي عملية الاستبدال ببرنامج وطني شامل، هدفه تبسيط التعامل اليومي بالنقد، وجعل القيم والأرقام أوضح وأسهل في الفهم والحساب، مع تأكيد رسمي أن هذا التغيير لا يمس القيمة الحقيقية للأموال ولا القدرة الشرائية للمواطنين.
وهذا التأكيد، وإن كان اقتصاديًا بحتًا، فإنه يحمل بعدًا تقنيًا غير مباشر، إذ إن تبسيط القيم العددية شرط أساسي لتطوير الأنظمة الرقمية التي تتعامل مع البيانات المالية يوميًا.
وفي السياق نفسه، كشف حاكم مصرف سوريَة المركزي، الدكتور عبد القادر الحصرية، عن توجه واضح لاعتماد معايير عالمية في إدارة النقد، وتحديدًا ما يُعرف بمعايير صلاحية الأوراق النقدية للتداول (Cash Fitness Standards)، المعتمدة لدى البنك المركزي الأوروبي.
ووفقًا للحصرية، فإن هذه المعايير تهدف إلى ضمان قابلية التداول، وسلامة الأوراق النقدية، وحماية الصحة العامة، إضافة إلى رفع كفاءة الفرز والعد والتداول وفق أسس فنية موحدة.
ومن زاوية تقنية، فإن توحيد هذه المعايير يسهم في تحسين تكامل العملة الورقية مع آلات العد والفرز، ومع الأنظمة البنكية المؤتمتة، ويحد من الأخطاء التشغيلية التي تعوق التحول الرقمي.
وأوضح الحصرية أيضًا أن هذه المعايير تشمل ضوابط دقيقة تتعلق بحالة الورقة النقدية، مثل: مستوى الطيات والتمزقات المقبولة، ومنع تداول الأوراق المرممة أو المشوهة، ورفض الأوراق التي فقدت عناصرها الأساسية أو تشكل خطرًا صحيًا.
ومواءمة هذه الضوابط مع الخصوصية المحلية، بحسب الحصرية، تضع الممارسات النقدية السورية في انسجام مع المنهجيات الأوروبية والدولية الرائدة، وتؤسس لسوق نقدية أكثر كفاءة وثقة. هذه الثقة عنصر أساسي لأي تحول رقمي؛ لأن المستخدم لن يتجه إلى الحلول الإلكترونية إذا كان يشك في استقرار النظام النقدي نفسه.
نقطة انطلاق:
لكن البعد الأهم في قراءة هذا التحول يأتي من زاوية العلاقة بين العملة الجديدة والتحول الرقمي، وهو ما يتوقف عنده الإعلامي والخبير الاقتصادي السوري، حازم الشعار، بتوصيف دقيق بعيد عن التبسيط.
ويؤكد الشعار في حديثه إلى موقع (البوابة التقنية) أن “استبدال الورق بورق آخر (حتى مع حذف أصفار) لا يخلق نظامًا رقميًا”، مشددًا على أن التحول الرقمي لا يتحقق بقرار نقدي منفصل، بل يتطلب بنية تشريعية وتقنية متكاملة.
ومع ذلك، يرى الخبير الاقتصادي أن ما جرى في الحالة السورية يمثل “نقطة انطلاق تتيح للسياسة النقدية التحول نحو الرقمنة بشكل أسهل”. وهذا التوصيف يضع العملة الجديدة في حجمها الحقيقي، فهي ليست التحول الرقمي، لكنها تزيل عقبات كانت تعرقل الوصول إليه، إذ يوضح الشعار أن حذف الصفرين من العملة يزيل عوائق تقنية ونفسية في آن واحد.
فمن الناحية التقنية، تعاني البرمجيات المحاسبية والأنظمة البنكية من التعامل مع أرقام كبيرة ذات أصفار متعددة، سواء من حيث التصميم، أو واجهات الاستخدام، أو احتمالات الخطأ البشري، ومن ثم فإن تقليص عدد الأصفار يجعل واجهات التطبيقات المالية أكثر بساطة، ويسهل إدخال البيانات وقراءتها، وهو عامل حاسم في تجربة المستخدم الرقمية.
خطوة نحو تعزيز الدفع الإلكتروني:
أما من الناحية النفسية، فيشير الخبير، حازم الشعار، إلى أن العملة القديمة بأرقامها الضخمة كانت تدفع المواطنين إلى حمل رزم كبيرة من النقود، مما يعزز ثقافة النقد الورقي ويضعف تقبل البدائل الإلكترونية، وبناء على ذلك فإن العملة الجديدة، بأرقام أقل وأحجام أصغر، تمهد الطريق لتقبل الدفع الإلكتروني كبديل “حضاري”، على حد وصفه، خاصة في حال ترافق ذلك مع تطوير حقيقي للبنية التحتية الرقمية.
وهذا الربط بين العملة وسلوك المستخدم يتقاطع مع ما طرحه معالي وزير الاقتصاد والصناعة السوري، نضال الشعار، الذي أكد أن الهدف من إصدار العملة السورية الجديدة هو تحسين وسيلة التداول وجعل حركة تبادل القيمة أكثر سلاسة.
الوزير الشعار لفت، عبر منشور في موقع فيسبوك، إلى أن التحدي لا يكمن في جودة العملة الجديدة، بل في سلوك التداول نفسه، عادًّا أن نجاح أي عملة يعتمد على مدى اندماجها الطبيعي في الحياة الاقتصادية اليومية، وأن هذا الاندماج، في عصر الاقتصاد الرقمي، لا ينفصل عن التطبيقات البنكية، وأنظمة الدفع الإلكتروني، والمحافظ الرقمية.
ومن منظور التحول الرقمي، يمكن القول إن العملة السورية الجديدة تشكل طبقة تمهيدية، وليست طبقة نهائية، فهي تهيئ البيئة الرقمية من حيث القيم العددية، والمعايير النقدية، وسهولة الدمج مع الأنظمة المؤتمتة، لكنها لا تعوض غياب التشريعات الخاصة بالدفع الإلكتروني، ولا نقص الاستثمار في البنية التحتية التقنية، ولا الحاجة إلى بناء ثقة المستخدم بالخدمات الرقمية.
إطلاق العملة السورية الجديدة، الذي جرى برعاية فخامة رئيس الجمهورية، أحمد الشرع، وبحضور حاكم المصرف المركزي في حفل رسمي بدمشق، يحمل دلالة سياسية واقتصادية، لكنه يحمل أيضًا رسالة تقنية مفادها أن الإصلاح النقدي يمكن أن يكون مدخلًا لإصلاح أوسع.
غير أن هذا المدخل سيبقى محدود الأثر ما لم يُستكمل بخطوات عملية في مجال التحول الرقمي، تبدأ من تحديث الأنظمة البنكية، ولا تنتهي عند تغيير سلوك المستهلك.
وفي المحصلة، العملة السورية الجديدة ليست مشروع تحول رقمي بحد ذاتها، لكنها خطوة تنظيمية وتقنية تزيل جزءًا من التشوهات التي عاقت الرقمنة لسنوات، ونجاحها الحقيقي لن يُقاس بجمال التصميم أو جودة الورق، بل بقدرتها على الاندماج في منظومة مالية رقمية متكاملة، تُبنى بتشريعات واضحة، وبنية تقنية حديثة، وثقة متبادلة بين الدولة والمستخدم، وعندها، كما يؤكد العدديد من الخبراء، يمكن القول إن العملة الجديدة أدت دورها الكامل في مسار التحول الرقمي.




