سوريا.. مساع لتأهيل سكك الحديد وخطة لإحياء قطار الحجاز

دمشق- كشفت دمشق وأنقرة عن تعاون تقني لإعادة تأهيل شبكة السكك الحديدية في سوريا، وعن إحياء الخط الحديدي الحجازي، ضمن تحرك يهدف إلى تعزيز دور الخطوط الحديدية في اقتصادات دول الإقليم.
ويوفر تأهيل الشبكة وربطها بالسكة الحديدية التركية، وفق وزير النقل التركي عبد القادر أورال أوغلو، ممرا إستراتيجيا للركاب والبضائع، كما يدعم -على صعيد آخر- جهود سوريا في إعادة إعمار ما هدمته الحرب.
وترجح مصادر تركية أن تبدأ المرحلة الأولى من المشروع، الذي تتراوح كلفته بين 50 إلى 60 مليون يورو (57.11 مليون دولار – 68.54 مليون دولار)، بتأهيل خط سكة الحديد التي تصل محطة ميدان أكبس الحدودية بمدينة حلب جنوبا (أُنشئت عام 1908 ضمن مشروع قطار الشرق السريع الذي كان يربط برلين ببغداد)، إذ دمرت الحرب نحو 50 كيلومترا منه، بينما لا تزال بقية الأجزاء موجودة حتى العاصمة دمشق.
ويقول خبراء إن إعادة تأهيل الشبكة، إلى جانب إحياء مشروع الخط الحديدي الحجازي، من شأنه، بعد تحديث شبكات النقل القديمة، أن يعيد دمج سوريا في المنظومة الإقليمية، وأن يشكل نواة لربط سككي إقليمي جديد، يتوقع الخبراء أن تنضم إليه دول عربية مجاورة.
منطقة إقليمية واحدة
تعرضت شبكة الخطوط الحديدية السورية التي يبلغ طولها نحو 2552 كيلومترا لأضرار كبيرة خلال الحرب التي استمرت قرابة 14 عاما.
وأوضحت مصادر في وزارة النقل السورية -لصحيفة “الحرية” السورية (حكومية)- أن العمل جار منذ سقوط نظام الأسد لترميم الخطوط القائمة وصيانتها، إلى جانب صيانة العربات المحركة والمتحركة، في ظل إمكانات ضئيلة وشح في المواد الأساسية.
وأكد مدير عام الخطوط الحديدية أسامة حداد أن المديرية تعمل على وضع خطة لإعادة السكك الحديدية للعمل، من خلال الربط السككي مع شبكة الخطوط الحديدية التركية، عبر مرحلتين، تشمل الأولى (محور حلب – المسلمية – الراعي) والثانية (محور المسلمية – ميدان أكبس) الحدودية.
وشهدت الأشهر الأولى من مرحلة ما بعد الأسد 3 اجتماعات بين مسؤولي السكك الحديدية في تركيا وسوريا كان آخرها في مايو/أيار الماضي، جرى خلالها تقييم وضع الخطوط وأوضاع الجسور السككية والمحطات التي تعرضت للضرر، واحتياجات إعادة تأهيلها.
محطة سكك حديد سورية (مواقع التواصل)
وقال حداد -في تصريح عقب جولة تفقدية لبعض الخطوط رفقة الجانب التركي- إن “الضرر الإجمالي الذي تعرضت له الخطوط والجسور والمحطات يفوق نسبة 60%، في حين لا يتجاوز ما تبقى من الشبكة عددا محدودا من الخطوط القابلة للتشغيل الجزئي يبلغ طولها نحو 1050 كيلومترا”.
وتنتمي تركيا وسوريا إلى منطقة إقليمية واحدة، وفق خريطة الاتحاد الدولي للخطوط الحديدية المؤلفة من 6 مناطق، ويرى حداد أن إعادة الربط السككي معها من شأنه ما يلي:
فتح آفاق واسعة لفرص العمل المحلية.
ربط المناطق الشرقية، حيث تتركز الموارد والثروات بالشبكة الوطنية
ربط مناطق الإنتاج الكثيف المتنوع شمال سوريا بالشبكة الدولية.
رحلة دمشق إلى المدينة المنورة
شهدت سوريا إنشاء شبكة مواصلات حديدية لنقل الركاب والبضائع في تاريخ مبكر من القرن الـ20، واحتلت مركزا متقدما، ويعود وجود أول قطار إلى عام 1894، حين ربط خطه الحديدي العاصمة دمشق بمحطة مزيريب جنوب البلاد، وبعد عام واحد تم افتتاح خط آخر يربط دمشق بالعاصمة اللبنانية بيروت.
وفي عام 1903، افتتح خط رياق – حماة، تلاه في عام 1906 خط حماة – حلب، كما افتتح خط حمص – طرابلس عام 1911.
أصول السكك الحديدية السورية تعرضت لدمار خلال الحرب منذ 2011 (رويترز)
لكن الحدث الأهم من وجهة نظر الخبير الاقتصادي أحمد سلامة هو افتتاح الخط الحديدي الحجازي في عام 1908، الذي شهد أول رحلة نقل ركاب له من دمشق إلى المدينة المنورة في أغسطس/آب من العام نفسه، إذ شكل نقلة نوعية في الربط السككي بين بلاد الشام والجزيرة العربية، وخدمة متطورة على صعيد نقل الحجاج إلى البقاع المقدسة، غير أن أجزاء كبيرة منه تعرضت للتخريب في نهاية الحرب العالمية الأولى، مما أفقد الإقليم خدمة نقل لم تتمكن الدول المستفيدة من استعادتها إلى الآن.
ولفت -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن جهودا كبيرة بذلت منذ منتصف القرن الماضي لإعادة تشغيله، وكان من أبرزها مؤتمر الرياض الذي ضم سوريا والأردن والسعودية عام 1955، كما جرى لاحقا تشكيل هيئة عليا لإدارة الخط، تتألف من وزراء المواصلات في الدول الثلاث، أعلنت عام 1978 اتفاق حكوماتها على إنشاء خط حديدي عريض، نظرا لضيق الخط القديم، وقيام كل دولة بتنفيذ القسم الواقع داخل أراضيها، كما أعيدت دراسة جدوى إحياء الخط عام 2008، لكن اللجان المشتركة من الدول الثلاث لم تتوصل إلى قرار حاسم في هذا الشأن.
في سياق متصل، أعلنت تركيا عام 2011 خطة لإعادة تشغيل الخط، تضمنت -وفق سلامة- إعادة تأهيل مسار السكة في تركيا وسوريا والأردن، وإقامة خط قطار سريع يربط بينها، تستغرق رحلته من إسطنبول إلى مكة نحو 24 ساعة، يعمل على نقل أكثر من مليوني راكب سنويا.
ورغم تجاوب النظام السوري آنذاك على خلفية سعيه إلى تحديث شبكة سكة الحديد الوطنية بهدف ربط دمشق بأوروبا عن طريق تركيا، ومع الخليج العربي عن طريق الأردن، فإن الحرب التي شنها نظام الأسد عام 2011 حالت دون تنفيذ الخطة.





